السيد عبد الأعلى السبزواري

28

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

ولا شكّ في أنّ اتّباع الهوى يختلف باختلاف الأشخاص والحالات ، وله مراتب متفاوتة شدة وضعفا وكيفيّة وجهة ، وأن قوله تعالى : فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى يشمل جميعها ، ولا بدّ للسائر والسالك إلى اللّه جلّ جلاله من التخلية بإزالة العيوب الباطنيّة وغيرها . وأهمّها ثلاثة : الأوّل : عيوب النفس ، وهي ما تتعلّق بالشهوات الجسمانيّة ، كطيب المآكل ، والملبس ، والمركب ، والمسكن ، والمنكح وغيرها ، ومن كلّ هذه العيوب تتفرّع عيوب ومساوئ أخرى . الثاني : عيوب القلب ، وهي تتعلّق بالشهوات القلبيّة كحبّ الجاه والرياسة والعزّ ، والكبر ، والحسد ، والحقد وغيرها ممّا يرد على القلب بالتخيلات والأماني الشيطانيّة ، الّتي لا واقع لها بل هي مجرّد وهم بعيدة عن الحقّ والحقيقة كلّ البعد . الثالث : عيوب الروح ، وهي ما تتعلّق بالحظوظ الباطنيّة ، كطلب الكرامات والمقامات عن غير الصراط المستقيم المبيّن من الشرع الأمين . وهذه العيوب - عيوب النفس ، وعيوب القلب ، وعيوب الروح - كلّها تحصل من متابعة الهوى والبعد عن الحقيقة ، ومع هذه الأغيار كيف تستعدّ النفس للواردات الإلهيّة ؟ ! وكيف تحظى بالرقي إلى المقامات العالية ؟ ! . أم كيف تصل إلى جنّة المعرفة ؟ ! . وكيف تشرق عليها الأنوار الربوبيّة ؟ ! وكيف تخرق أبصار القلوب حجب النور حتّى تصل إلى معدن العظمة ؟ . وكيف يمرّ على النار وأنّها تناديه : « جز يا مؤمن فإنّ نورك يطفئ لهبي » المعدّة للمؤمن ؟ ! وكيف يدخل الجنّة وهي الّتي أزلفت له وبه نال رضاءه تعالى عنه ؟ ! وكيف يشفّع في قومه وهو يحمل أوزار نفسه ؟ ! فإذا زالت هذه الأغيار ورفعت الأوزار واخترقت الحجب وأزيلت الأستار ، فحينئذ تحلّت النفس بالمعرفة ، فالتخلية ثمرتها التحلية ، والقرآن الكريم يحرص على إزالة هذه العيوب ورفع هذه الحجب ، قال تعالى : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [ سورة ص ، الآية : 26 ] ، وقال تعالى مخاطبا موسى عليه السّلام : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ